أحمد بن سهل البلخي
494
مصالح الأبدان والأنفس
المستلذّة التي تقع في الطبيخ ، وتطيّب بها الأطعمة . فإذا لم يكتف بذلك لكثرة المادّة الفاسدة ، فينبغي أن يطلب / لتناول الأدوية المسهلة وقتها كما ذكرنا ، ويتناول منها الذي يسهل تناوله ، ويكون مركّبا من الأخلاط التي لا تخاف غائلتها ، ولا يكون لها عنف على الطبيعة لغمّ أو خوف أو إضعاف قوّة ، وأن يختار الأسلم منها وإن كان نفعه في العاجل أقلّ على المخوف عاقبته ، وإن وجد في بعض الأوقات أظهر نفعا ، وأكثر عملا ؛ لأنّ حمل النفس على المخاطر في شرب الدواء لا خير فيه ، وتدارك التقصير الواقع فيه أهون من تدارك الإفراط ، وأولى الناس بلزوم هذا التدبير الملوك وأهل النعمة الذين ترقّ طبائعهم ، ولا تسوء آدابهم في المطاعم والمشارب . والأدوية التي تركّب قد توجد مطبوخة ، وحبوبا ، ومعجونات ، مثل الأيارجات الكبار ، والمطبوخ منها أسلم ، وأسرع تأثيرا وخروجا من البدن . وأمّا الحبوب فهي أطول مكثا في المعدة ، وأقوى تأثيرا . وربّما عرض منها كرب / وغثيان ومغص ، وما أشبه ذلك من الأعراض . وإنّما يختار أخذها إذا كانت الأخلاط لزجة عسرة التقلّع ، فتمكث في المعدة إلى أن يتمّ عملها من التنقية وإذابة الفضول . وأمّا الأيارجات الكبار فإنّها تختار للأدواء التي تكون في عمق البدن ، ويحتاج إلى أن تستخرج بأدوية تغوص في مكامنها من باطن الأعضاء ، فيكون التدبير في تناولها أن يقدّم لها « 1 » حمية تامّة بأيّام كثيرة لتنقّي « 2 » مجاري البدن ، وتسلّس مرور الدواء فيها ، ثمّ يعقّب بعد شربها بحمية مثل الحمية المتقدّمة لشربها ، فإنّها إن لم تتناول بمثل هذا التدبير لم يظهر الانتفاع بأخذها ، بل ربّما ضرّت . فبان بما وصفنا أنّ الأدوية تؤخذ على ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) أي : للأدوية . ( 2 ) أي : الحمية .